شكيب أرسلان
93
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
سرى نعشه فوق الرّقاب ، وطالما * سرى جوده فوق الرّكاب ونائله يمرّ على الوادي فتثني رماله * عليه ، وبالنادي فتبكي أرامله انتهى كلام ابن خلكان « 1 » . وانظر إلى ما يقوله عن هذا الوزير ومآثره - الرحالة ابن جبير الأندلسي « 2 » ، وقد عاش في ذلك العهد ، وهو : ولهذه البلدة المباركة ( أي مكة ) حمّامان . أحدهما : ينسب للفقيه الميانشيّ أحد الأشياخ المحلّقين « 3 » بالحرم المكّرم . والثاني : وهو الأكبر ، ينسب لجمال الدين ، وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين ، له - رحمه اللّه - بمكة والمدينة - شرّفهما اللّه - من الآثار الكريمة ، والصنائع الحميدة ، والمصانع المبنية في ذات اللّه المشيدة ما لم يسبقه أحد إليه فيما سلف من الزمان ، لا أكابر الخلفاء فضلا عن الوزراء . وكان رحمه اللّه وزير صاحب الموصل ، تمادى على هذه المقاصد السنية ، المشتملة على المنافع العامة للمسلمين ، في حرم اللّه تعالى وحرم رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أكثر من خمس عشرة سنة ، لم يزل فيها باذلا أموالا لا تحصى ، في بناء رباع بمكة ، مسبلة في طرق الخير والبر ، مؤبّدة محبّسة ، واختطاط صهاريج للماء ، ووضع جباب في الطريق ، يستقرّ فيها ماء المطر ، إلى تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين . وكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء إلى عرفات ، وقاطع عليه بني شعبة سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء بوظيفة من المال كبيرة ،
--> ( 1 ) [ « وفيات الأعيان » : ( 5 : 144 ) ] . ( 2 ) [ رحلة ابن جبير : ( 91 - 93 ) ] . ( 3 ) [ الذين لهم حلقات للعلم ] .